الوطن
من أجل فلسطين...

من حكايات أيام زمان

أعزائي في جيران... أنقل اليكم حكاية من احدى حكايات أيام زمان... على أمل أن تنال رضاكم...
 
            مشهد على طريق الطنطورة
 
         
 
أربعة, خرجنا نحو الوجه البحري... طريقنا الى شاطيء "الطنطورة". الذي أصبح بفعل السحر "حوف دور" أي شاطيء دور ودور اسم الطنطورة القديم. "حوف دور" يا الله السلامة.

 

في طريقنا نمر عن أراضي قنير... صبرين, وقلعة زمرين الصابرة, وهي قلعة كبيرة مسورة حاضرة لبلدة "زخرون يعقوب". أصحاب هذه القلعة (دار الحلو) ما زالوا ينتظرون العودة اليها من باقة الشرقية.

 

يبادر" أبو البطوف الطبراني" ونحن في طريقنا الى الطنطورة, ضاحكا قبل الكلام, يضحك من أعماق أعماقه, على ما رآه عند اقترابنا من الجميزة الكبيرة الرابضة قرب مخفر شرطة.. زمرين.. في طريق حيفا - يافا القديمة. عرفنا لماذا يضحك الطبراني, تذكر الأيام والليالي الخوالي التي قضاها" أبو عذاب" في الحجز في هذا المخفر الذي أسسه الانجليز, ولأبو عذاب ذكريات جمة في فترة الضيافة تلك.

 

قال الطبراني, هنا خلعوك يا أبو عذاب.. وبدأ أبو عذاب يحكي حكايته:
 

في الليلة الأولى من عذابات الجوال, كانت مثل الثلج, وباردة "كالأسكيمو" فالطقس ربيعي في الخارج, لكن الرطوبة العتيقة التي عششت في جدران الزنزانة أطفت عليها مع الظلمة جوا باردا.

تلك الليلة من ليالي آذار في "زمرين", دخل مأمور السجن الخواجا "حاييم" يحمل بين يديه طبق الطعام, السيد "حاييم" هو من أصل مغربي يتكلم العبرية ممزوجة بلهجة أهل مراكش, ومع مرور الوقت بدأت علاقتنا تأخذ أبعادا انسانية وأصبح يتعامل معي كموقوف دائم لا يبرح الزنزانة الا بأمر من المحققين الذين لا يأتون في النهار في ساعات دوام السيد "حاييم".

كنت محروما من السجاير والصحف والزيارات, لأن التحقيق معي لم ينته بعد, وهذا حسب الأعراف القانونية هنا. ويكتب في ملف كل نزيل في المعتقل المسموحات والممنوعات.

السيد حاييم ألف وجودي, وأخذ يتودد الي وأكثر من أسئلته, حتى أصابني شعور الخوف والحذر منه, لكنه أبدى لي استعداده للمساعدة, وما هي أنواع المساعدة؟!. التي يمكن أن يقدمها لي السبد حاييم, هي ادخال صحيفة قديمة لأقتل بها وقتي, أو بعض أعقاب سجاير أو بعض من سجاير "عمر" المهربه والمصنوعة في القدس العربية وعادة ما تكون هذه السجائر مستوطنات للسوس, ولكن "أحسن من بلاش" مع كل المساعدات "العظيمة" التي يقدمها السيد حاييم لم أتمكن من أن أتقرب منه.

 

في احدى الليالي لا أعرف بالتحديد أي ساعة نبهني الشرطي المناوب ليعلمني بأني سأنقل الى معتقل الجلمة في الصباح الباكر, ما زلت أتذكر جيدا حين طلبت منه أن يعطيني سيجارة, فرد بعصبية واستعلاء "أنت مخرب ويجب أن تموت" عربي قذر, ما أن سمع المعتقلين في الغرف المجاورة صراخ الشرطي, حتى أخذوا هم أيضا بالصراخ علي وشتمي ونعتي "بالمحبيل" وحمدا لله بأني في الزنزانة وحيدا, لكني لم أصمت على الرد فكان جوابي بترديد غناء الشيخ امام.
 

"شيد قصورك على المزارع

من قدنا وعمل ايدينا

والخمارة بجنب المصانع

والسجن مطرح الجنينة"

 

ما أن انتهيت من الغناء حتى دخل علي الشرطي المناوب والضابط المناوب, وأخذوا يركلوني بأرجلهم وبأيديهم ويتخلل هذا الضرب الشتائم والمسبات, وأنا أغني:
 

"في تلك القرية

ذات الليل الموحش

هلوا علينا العسكر بالكاكي

وديك الصبح ايقاقي

في تلك القرية

ذات الليل الموحش

جاء العسكر.

دقوا الباب

دخلوا الغرفة

أخذوني العسكر للسجانة

والتهمة حبي لكم

يا أصحاب التل

من جوف الزنزانة

والعتمة والسجانة

سلامي لكم..

سلامي لكم."

 

بقي الطبراني يضحك حتى وصلنا الى شاطيء الطنطورة, وخلع أبو عذاب ملابسه ليبلل جسده ولينسى ما مر به في زمرين. من اتخلع وخلع وخلاعة.
 
 
المصدر: "من حكايات أيام زمان"  للمؤلف: "عبد الحكيم سمارة"
 
                            
                               لكم تحياتي...
 
                                    منال
 

(13) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 10 ابريل, 2008 12:48 ص , من قبل hamedp4
من مصر

شكرا لك الاخت منال على حكاياتك الرائعه وشكرا على كل ما تكتبى


اضيف في 10 ابريل, 2008 05:33 ص , من قبل amoo2005
من فلسطين

خيتو منال

يسلمو على الاختيار

يلي جمعت فيه بين مرارة الإعتقال والتشريد ..

ومهما تكبروا وتجبروا بنا حتماً عائدون ومنتصرون فنحن أصحاب الحق والأرض ..

لكِ تحياتي وبالتوفيق في خدمة القضية والتعريف بها ..

ع.سامح


اضيف في 10 ابريل, 2008 10:56 ص , من قبل shouqnm
من فلسطين

كتير حلو يامنال واسلوبك في سرد القصة كتير حلو كمان
مع تمنياتي بمزيد من التوفيق
شوووووووووق


اضيف في 10 ابريل, 2008 12:25 م , من قبل maostfa
من فلسطين

يرحم أيام زمان .. ذكرتيني بلي مضــى ..

أنا بعد للأن أحب أقرأ بالمجلــة أوالكتب.. << تذكرها بأيام الطفولة

وأكثر شي يعجبني المسابقات

وأحب اقرأ القصص



ميرسي جارتي على الموضوع إللي ذكرني بالطفولة .

تحياتي



اضيف في 10 ابريل, 2008 12:46 م , من قبل hool9000
من فلسطين

منال جميله هي قصتك وسردها رائع

واللي له ارض بحبها ما بنساها

تحياتي لك
ام ياسمين


اضيف في 10 ابريل, 2008 02:56 م , من قبل صاحب الظل الطويل
من ليبيا

منال اختى العزيزة ..

ربما هده المرة الاولى التى ازور فيها عالمك هنا بين زوايا هده المدونة الدافئة .. احببتـ هذا ..

واشكرك على هده القصة من ذالك الزمان ..

دمتى بكل ما هو جميلـ كـ جمال الزهور ..


اضيف في 10 ابريل, 2008 03:11 م , من قبل femus
من مصر

اسعد الله اوقاتك صديقتى الغالية منال
يسعدنى التواجد فى صفحتك " وشكرا على الحكاية " محمد مازن


اضيف في 10 ابريل, 2008 09:24 م , من قبل amoo2005
من فلسطين

منال
عدت لأهنئكِ على الأغنية الرائعة ، فتحت مدونتكِ لسماع هذا الصوت الرائع مع أني أعشقه من زمان ، ومن مدونتك إسه بعرف انه اسمها اميمة ،كنت اسمعها مع مارسيل خليفه ..

لكِ تحياتي

ع.ســامــح


اضيف في 11 ابريل, 2008 01:51 ص , من قبل hassanyahya

اختي منال
جميل بوحك وحكاياتك كروحك
قديمة الالق والابداع
لك كل الود
دعائي بالتواصل والموفقية
حسن يحيى العذاري


اضيف في 11 ابريل, 2008 04:36 ص , من قبل abood1985
من فلسطين


قصه من ايام زمان ..بس السيناريوا هو هو قضيتنا ومقاومتنا هى منهل حكاياتنا .. والايام هى المخرج الفذ ..


تحياتى لك منال قصه راقيه


اضيف في 11 ابريل, 2008 06:28 ص , من قبل shydream

منال العزيزه
حكاية جميله
خصوصا انها بعبق الماضي الجميل
وايضا لأنها عرفتنا باسماء لم نكن نعرفها من قبل
شكرا لك لما لما تقدمين لنا
من متعة ممزوجة بالفائده
تحياتي لك
ودمت بكل الود


اضيف في 19 ابريل, 2008 06:48 م , من قبل zohoour



اختى منال : الجميله ....


جميل مقالك جدااا ...


عن حكايات زمان ...


سردتنى لنا قصه رائعه ...


وفقكى الله اختى ...


الله يجعلكم منتصرون باذن الله ...


ويرفع عنكم الظلم والطغاء ...


يـــا رب


تحياتى لكى اختى الرائعه ...


تقبلى مرورى البسيط ..


(زهرة الياسمين )



اضيف في 19 ابريل, 2008 06:49 م , من قبل zohoour



اختى منال : الجميله ....


جميل مقالك جدااا ...


عن حكايات زمان ...


سردتنى لنا قصه رائعه ...


وفقكى الله اختى ...


الله يجعلكم منتصرون باذن الله ...


ويرفع عنكم الظلم والطغاء ...


يـــا رب


تحياتى لكى اختى الرائعه ...


تقبلى مرورى البسيط ..


(زهرة الياسمين )





أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية